مناع القطان

197

مباحث في علوم القرآن

وأصل وضع الضمير للاختصار ، فهو يغني عن ذكر ألفاظ كثيرة ، ويحل محلها مع سلامة المعنى وعدم التكرار ، فقد قام في قوله تعالى ( أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) مقام عشرين كلمة لو أتى بها مظهرة ، هي المذكورة في صدر الآية ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً 35 - الأحزاب ) والأصل تقديم مفسر لضمير الغائب . . ويعلل النحاة هذا الأصل بأن ضمير المتكلم والمخاطب يفسرهما المشاهدة ، وضمير الغائب عار عن هذا الوجه من التفسير ، فكان الأصل تقديم معاده ليعلم المراد بالضمير قبل ذكره . ولذلك قالوا يمتنع عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، واستثنوا من هذه القاعدة مسائل يرجع فيها الضمير إلى ما استغنى عن ذكره بما يدل عليه من قرائن في نفس اللفظ ، أو أحوال أخرى تحف بمقام الخطاب « 1 » ، قال ابن مالك في « التسهيل » : « الأصل تقديم مفسر ضمير الغائب ، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل ، وهو إما مصرح به بلفظه ، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسا أو علما ، أو بذكر ما هو له جزء أو كلّ أو نظير أو مصاحب بوجه ما » وعلى هذا فالمرجع الذي يعود إليه ضمير الغيبة ، يكون ملفوظا به سابقا عليه مطابقا له - وهذا هو الكثير الغالب - كقوله تعالى : ( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ 42 - هود ) أو يكون ما سبق متضمنا له ، كقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى

--> ( 1 ) ألقى الدكتور طه حسين في مؤتمر المستشرقين السابع عشر بجامعة اكسفورد سنة 1347 هجرية محاضرة عنوانها « ضمير الغائب واستعماله اسم إشارة في القرآن » نشرت مجلة الرابطة الشرقية أن ضمير الغائب يجب أن يعود إلى مذكور يتقدمه لفظا ورتبة - يطابق هذا المذكور في التذكير والتأنيث وفي الافراد والتثنية والجمع ، وأن ما ورد على خلاف ذلك تأولوه بتكلف وأوضح هذا بأمثلة من القرآن ، وقد رد عليه الأستاذ محمد الخضر حسين انظر : بلاغة القرآن ، صفحة 64 وما بعدها .